ابن أبي الحديد

53

شرح نهج البلاغة

محسدون على ما كان من نعم * لا بنزع الله منهم ماله حسدوا . فقال عمر والله لقد أحسن وما أرى هذا المدح يصلح إلا لهذا البيت من هاشم لقرابتهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ابن عباس : وفقك الله يا أمير المؤمنين فلم تزل موفقا ، فقال : يا بن عباس ، أتدري ما منع الناس منكم ؟ قال لا يا أمير المؤمنين قال لكني أدرى قال ما هو يا أمير المؤمنين ؟ قال : كرهت قريش أن تجتمع لكم النبوة والخلافة فيجخفوا جخفا ( 1 ) فنظرت قريش لنفسها فاختارت ووفقت فأصابت ( 2 ) . فقال ابن عباس : أيميط أمير المؤمنين عنى غضبه فيسمع ! قال : قل ما تشاء قال أما قول أمير المؤمنين : إن قريشا كرهت ، فإن الله تعالى قال لقوم ( ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم ) ( 3 ) . وأما قولك : ( إنا كنا نجخف ) فلو جخفنا بالخلافة جخفنا بالقرابة ولكنا قوم أخلاقنا مشتقة من خلق رسول الله صلى الله عليه وآله الذي قال الله تعالى ( وإنك لعلى خلق عظيم ) ( 4 ) وقال له ( واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين ) . وأما قولك ( فإن قريشا اختارت ) فإن الله تعالى يقول : ( وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة ) ( 6 ) وقد علمت يا أمير المؤمنين أن الله اختار من خلقه لذلك من اختار ، فلو نظرت قريش من حيث نظر الله لها لوفقت وأصابت قريش . فقال عمر : على رسلك يا بن عباس أبت قلوبكم يا بني هاشم إلا غشا في أمر قريش لا يزول وحقدا عليها لا يحول فقال ابن عباس : مهلا يا أمير المؤمنين !

--> ( 1 ) جخف : تكبر . ( 2 ) الشعر والحبر إلى هنا ، في ديوان زهير وشرحه 281 - 283 . ( 3 ) سورة الأحزاب 19 . ( 4 ) سورة ن 5 . ( 5 ) سورة الشعراء 215 . ( 6 ) سورة القصص 68 .